نموذج الزاوية القادرية البودشيشية في تاريخالمغرب
بسم الله الرحمان الرحيم

عنوان الأطروحة : نموذجالزاوية القادرية البوتشيشية في تاريخ المغرب
تألـــــــــــــــــيف : ولي الله العارف بالله الدكتورالباحث سيدي جمال القادري البوتشيشي
مكان المـنـــاقشة : دار الحديث الحسنيةبالرباط

احتضنت دار الحديث الحسنية ما بين يوليوز وغشت 2001 مناقشة أطروحةلنيل دكتوراه الدولة تقدم بها الباحث العارف بالله تعالى مولانا سيدي جمال القادريبودشيش وذلك أمام لجنة مكونة من الأساتذة : الدكتور عبد السلام الإدغيري (مشرفاورئيسا) , الدكتورة رحمة بورقية, الدكتور إبراهيم حركات ,الدكتور عبد الرحمانبلعكيد والدكتور أحمد اليزيدي (أعضاء) . وقد داما المناقشة أبع ساعات تابعها جمعكبير من المهتمين طلبة وباحثين , نال الباحث بعدها درجة الدكتوراه بميزة حسن جدا معالتوصية بالطبع , وفيما يلي نص التقرير الذي قدم به سيدي جمال نص أطروحته( نموذجالزاوية القادرية البوتشيشية في تاريخ المغرب)
بسم الله الرحمان الرحيمالحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الأمين المبعوث رحمةللعالمين وعلى عترته الطاهرين وصحابته الغر الأكرمين.
يشرفني ويسعدني أن أتقدمإليكم اليوم بهذا العمل المتواضع الذي يهتم بتسليط الأضواء الكاشفة على جانب جوهريهام في العلوم الإسلامية, إن لم نقل إنه أسها المتين وركنها الركين ألا وهو التصوف . ذلك لأن التصوف يهتم بالجانب الروحي والخلقي المتمثل في تزكية النفس ولا يهملالجانب العملي من العبادات البدنية والمالية وشؤون الحياة , معالجا كل ذلك بحكمةفهدف التصوف هو بناء شخصية الإنسان المسلم وتأسيس المجتمع على أساس من الفضيلةوالخلق السليم والتمسك بمبادئ الدين القويمة وتعاليمه السامية وأن تحل الأخلاقالفاضلة بين أفراده مقام القانون بأن يكون للمسلم وازع من ضميره يدفعه إلى الحرصعلى الكمال وطلبه .
إن الأمة التي تريد أن تهيأ لنفسها مستقبلا سعيدا ليس فيطوقها أن تحقق ذلك إلا إذا وصلت بين ماضيها وحاضرها فانتفعت بما خلفه أسلافها منعقيدة راسخة وإيمان عميق ومبادئ سامية ومثل كريمة وقيم أخلاقية تركت أثرها الواضحفي حياة الناس وأحاسيسهم وتجاوبت مع آمالهم وأهدافهم. فمما لاشك فيه أن التسلحبالقيم الروحية يولد طاقة دافعة للتقدم ورغبة صادقة في الإصلاح وعزيمة قوية لا تعرفالكلل ولا يحطمها اليأس ولا يعتريها الملل . ومن أجل ذلك كان المغرضون وما فتئوايحاولون تحطيم هذا العلاج الروحي بوسائل مختلفة من بينها اصطناع تأويلات تتصادم معجوهر الدين وحكمته الكريمة الهادية ومن مظاهر هذا التصادم المفتعل ما يرمون بهالتصوف من أنه متخلف عن ركب الحياة وأنه حجر عثرة في طريق تقدم الأمة وازدهارها وأنأصحابه في واد والمجتمع في واد آخر وأنه لابد في انطلاقتنا أن نتخلص منه حتى نصلإلى غايتنا في تحقيق السمو الأخلاقي المنشود.
أجل هكذا يقولن لأنهم اعتقدوا أنالحياة مادة فحسب.وأن المجتمع في إمكانه أن ينطلق دون أن يكون للنواحي الروحية حسابأو اعتبار في سموه , ولأنهم اعتقدوا إلى جانب ذلك أن التصوف سلبية وكسل وخمولواعتبروا أن الصوفية جميعهم هم أصحاب الملابس المهلهلة أو العبارات الشاطحة أوالغيبيات الطائشة . وهذا فهم خاطئ البتة للتصوف والصوفية .فالتصوف في حقيقته وعمقهسمو ورفعة وهو تعطش دائم للمعرفة ونزوع للخشية وملازمة التقوى ومجانبة للهوى وتحلبمكارم الأخلاق وهو يقين كامل وشوق متقد , وحب لله لا تنطفؤ جذوته و لاتخمذ شعلته . ولهذا كان الصوفية عبر التاريخ نماذج للجمال الخلقي ونماذج للكمال التعبديوالإيماني , ونماذج عالية سامقة في أفق العلم والمعرفة.
هذه بعض الدواعي التيدفعتني إلى بحث موضوع " مؤسسة الزاوية بالمغرب بين الأصالة والمعاصرة .وإن هذهالدراسة محاولة لتصحيح وتقويم تصور ساد بين كثير من الناس ومن بينهم بعض الباحثينالذين هم في حيرة فكرية وبلبلة علمية أمام ما يجدونه من كتابات ويسمعونه من أقوالعن التصوف . إنها محاولة انتشال القارئ المسلم من المتاهات التي ظل فيها مشتتا بينعقله ووجدانه باحثا عن الحقيقة التي غطاها انحراف الهوى .خاصة وأن الحركة الإسلاميةالمعاصرة في حاجة إلى نظرية واضحة عن التصوف وعن السير الروحي لأن من شأن هذهالنظرية أن تعصم من الإنجراف مع التيار المغالي أو مع التيار المعادي على غير بصيرةولأن السير الروحي لأصحاب الإجتهادات الإسلامية شيء لا بد منه حتى تستقيممسيرتهمفلا ترى فيها عوجا ولا أمتا ولا تطرفا ولا زمتا . فلا سبيل إلى حصول التكامل فياليقضة الإسلامية إلا بطريق ينفذ إلى أعماق التجربة الإيمانية ويبلغ الغاية فيالتغلغل فيها .حتى إذا أدرك الداخل فيها نصيبا من هذا التغلغل , كان حاملا له علىالتحلي بمكارم الأخلاق , لان الصوفي الصادق يتأسى بمولانا رسول الله صلى الله عليهوسلم في أقواله وأفعاله وأحواله , وقد سئلت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنهاعن خلقه صلى الله عليه وسلم فقالت : " كان خلقه القرآن " ومعلوم أن القرآن الكريمدعا إلى كل خلق سني ونهى عن كل خلق دني . وقد بلغ
مولانا رسول الله صلى اللهعليه وسلم في مستوى خلقه الغاية التي أثنى عليها رب العزة في قوله الكريم " وإنكلعلى خلق كريم " ومن وجب أن تقوم التربية الروحية بين المسلمين ليأخذ المسلم دينهعلما وعملا وحالا من ورثة الأخلاق المحمدية وهم الذين اصطلح على تسميتهم بشيوخالتربية الصوفية.فكان ولازال التصوف هو العلم الذي يطالب به كل إنسان نظرا لارتباطهبأعمال يطالب بها كل إنسان لصلاح القلب وتزكية النفس مصداقا لقوله تعالى : " قدأفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى " ولقوله تعالى كذلك : " هو الذي بعث في الأميينرسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفيضلال مبين "
فتزكية النفوس وتطهيرها مما يشوبها من أدران وأمراض , والسمو بهاعبر المقامات الروحية الراقية وراثة نبوية ورثها شيوخ التربية الصوفية , وهميمارسونها في مؤسسة الزاوية .فلا غرو إن اكتشف الباحث المنصف المتبصر إشعاع مؤسسةالزاوية النوراني يبدد ظلمات الجهل والضلال والإنحراف والأثرة .ويحطم أصنامالأنانية والغرور والهوى والرياء وحب التسلط وينشر العلم والهدى ويقوي روح التسامحوالتكافل الإجتماعي والإيثار وحب الخير والتواضع , لأن شيوخ التربية الصوفية يشربونمن المصادر الينبوعية للإسلام , فهم لا يفترون عن تلاوة القرآن الكريم وتدبر ىياتهوالعمل بها ويكثرون من ذكر الله تعالى ومن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم , والتأسي به في سنته والتخلق بأخلاقه .ولا يسأمون من الدعوة إلى الله على بصيرةوإرشاد الخلق ودلالتهم على حقيقة التوحيد وتصفية القلوب من السوى وترسيخ الإخلاص فيالحركات والسكنات والإعتتقاد والمعاملات
فمن وظائف الزاوية الأساسية التربيةالروحية التي تستهدف تزكية النفوس وتأهيلها لحضرة الله تعالى وهناك وظائف أخرى عملهذا البحث على بيانها
ولقد واجهتني صعوبات جمة أثناء إنجاز هذا البحث...
رضي الله تعالى عنك وأرضاك يا سيدي أبا منير القادري بودشيش..طبت وطابت كلماتكالنابعة من قلبك العامر بالله..أمد الله لنا في عمركم الكريم..ولاحرمنا منكم فيالدنيا والآخرة..آمين والحمد لله رب العالمين
اللهم صل على سيدنا محمد الذيملئت قلبه من جلالك وعينه من جمالك فأصبح فرحا مؤيدا منصورا وعلى آله وصحبه وسلمتسليما والحمد لله على ذلك .سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسبينوالحمد لله رب العالمين
الفقير خالد الفنون
المملكة المغربية الشريفة
_________________